ماء

باكراً تعلّمتُ القسوة.

يداي على عظام الركبتين بازلتٌ على تراب،

طويلاً  أحدّق في لا شيء 

طويلاً حتى أسمع خريرَ ماءٍ ينزلق داخلي

بكلّ رفق.

Advertisements

هراء

خُلِق الإنسان في حكاية وفي النهاية كلنا نتحول إلى حكايات، وهذا لا يعني عزاءً عن اليأس والفناء والعدم الذي نشعر به، ولا يعني أننا خالدون في مكان آخر أو أننا أرواح في حكايات خالدة، لا لا، لا يعني هذا سوى أنه هراء، هراء الذين خذلتهم الحياة وصارت خلفهم بمسافات طويلة، لا الذكريات تشفي،لا هواجس الآن تشغلهم، ولا شكوك القادم تمنعهم عن النوم، هراء مرّ لا يشبه مطلقاً هراء العجائز الأجوف الذي لا يتوقف ما دام منجل الموت ليس طويلاً ليقول كلمته بضربةٍ واحدة.

بندقية

كان لدينا ضيوف، وكان أبي يروي حكايةً من حكايات خوجه نصر الدين، خرجتُ إلى الممر ولعبتُ اللعبة نفسها بينما كان صوته يصلني بكل وضوح، وقفتُ أمام مرآةٍ كبيرة منصوبة في مواجهة مرآةٍ أخرى كبيرة ونظرتُ إلى عيني لأصغر وأتكرر في المرآتين إلى ما لا نهاية.
كان خوجه يحفرُ بئراً فرأى فتحةً سرّية، أزاح الصخرة فدخل في مملكة الجنّ، قادته جنيتان إلى ساحة القصر، كانت العروس على كرسي وبجانبها لا أحد، أشار له ملك الجن فجلس بجانبها، وبدأ الطبل والزمر، ثم شرب معهم وقام ورقص، علّقوا له في كتفه عظمة طويلة هي ساق حصان، هذه سلاحك، وشرب حتى سكر حتى أمسك سلاحه مصوباً إياه إلى السماء، بوم بوم بوم، الطبال يطبّل تحت قدميه، الزمار يزّمرُ في أذنيه، بوم بوم بوم.
كان أبي يتوقف حينئذٍ، ويكمل بعد لحظة، قال ملك الجن لخوجه نصر الدين: قبّل عروستك قبل أن يأخذوك إلى ساحة الخازوق، ودون أن يفكر يقبلها متحسساً جسمها ليكتشف أنها عنزة.
يركض خوجه والسلاح ما يزال على الكتف، يعبر الساحة، يركض خلفه جنيان، يركض نحو البئر، نحو الكوة، وهوب، يرمي نفسه فيها، لكن يمسك به الجنيان من قدميه.
يشدّ جسمه للأعلى ويشدّانه هما نحو الأسفل.
يقول أحدٌ له، خوجه ماذا بك؟
– إنهما لا يتركاني.
– ارفسهما.
– لا يتركاني.
– اخرى عليهما.
ويخرى عليهما خوجه ليستيقظ ويجد نفسه بجانب زوجته وقد خرى ببيجامته، ويضحك الرجال ويضحك أبي معهم حتى تدمع عيونهم.

رواها أبي أكثر من مرة، في أولها توقفت بعد الكوة وتملكني الفزع من الجن، وثم مع الوقت كنت انتظر، غير صابر، ليخرى خوجه وأضحك معهم على حماقته، أما في الليلة التي غادرت فيها حلب، كانت الحكاية تغلبني لكن دون أن أتذكر سوى مشهد رجلٍ مسحورٍ، أحمق لكنه صادق، يقفز كالمجنون في ساحةٍ واسعة مع عظم حصانٍ معلق على كتفه وهو على قناعة تامة أنها بندقية ودون أدنى شكّ.

توتون

قال بأنه سيء الحظ وأنه يملك دجاجتين، إحداهما لا تبيض إلا على السلّم والأخرى تبيض في أعلى التلة لتتدحرج البيضة حتى تنكسر وإن لم تنكسر فإنها تركض نحو بيضتها لتفتحها بمنقارها.
كان مدخناً شرساً، دميم الوجه وزير نساء في الوقت نفسه، يملك عينين زرقاوتين في وجه أسمر تحده من الأسفل شفة مشقوقة قال بأن ذلك لأنها جرحت بتنكة كان قد ربطها بذيل حمار حين كان صغيراً، ركض الحمار وقرقعت التنكة ووقع هو من أول رفسة ليبقى بشفته تلك مع أنف مائل نحو اليسار.
كان يسخر من الجميع ومن نفسه، يسخر من كدي وغرامه بالحجل والأراضي، من عليكو الذي ينتظر ساعات أمام الدكاكين ليحي مدير الناحية حين يمرّ بسيارة الجيب، يخرج واحدة متبقية من صور الهوية في جيبه ويقول:
إذا كان للشيطان وجه فهذه صورته.
ظلّ يسحب بطاقات اليانصيب ويخسر، الوحيدة التي ربحت، هي التي سحبها لا على نصيبه بل نصيب كلبه، لذلك صرف قيمة جائزتها ال500 ليرة ليرة على الطحين والدبس والبيض وعظام الغنم وقال:
ما حدا بياكل من نصيب غيرو.
كان قليل الحيلة على الأغلب، وقلما يبوح، مرة سأله جدي: ماذا تريد من هذه الدنيا؟
– هل ترى غري مزن وغري بجوك؟
وأشار بيده نحو الجبلين الممتدين بزاوية على الحدود، نصفهما في سوريا، نصفهما في تركيا،
– إيه؟
– لو أنني أقلع كل الزيتون والكرمة الذي بين الجبلين وأزرع بدلاً عنهما التوتون.
– وماذا تفعل بكل هذا التوتون؟
– أحرقه، وأتمدد في السماء، أضع ذراعاً على هذا الجبل وذراعاً على الآخر وأظلّ أشمّ وأشمّ حتى تأتي النار على التبغ كله ولا تبقى منه شتلة.

خرمزن

كان «خرمزن» حين يكون غائباً و«طاير» حين يكون موجوداً، وحتى حين أصيب بالسكري وبدأ يشحب ويفقد جسده شيئاً شيئاً كان ما يزال يدعى خرمزن وأكدّ جدّي في أكثر من مجلس أنه رآه مرة يكسر الجوز بأيره، كانوا شباباً وتباروا عند النبعة وأخرجوا إيورهم، كان كَدِي يتناول الجوز ويناول قطعاً منه للحجل الذي اصطحبه معه، اقترب منه طاير وأخذ منه جوزتين ووضعهما على صخرة وطاخ، هوى بأيره المنتصب على الجوزتين فطارت إحداها فيما الأخرى انفلقت من المنتصف بعدما صُدع قشرها بثلاثة خطوط.
كانت الغلبة لأشجار الكرمة والحور حينئذٍ، سوى الحدود حيث السنديان والصنوبر وبينها وخلفها كانت الألغام والأسلاك الشائكة والأشباح والمهربون والمحكومون، الچتا، وفي أول يفاعته عمل طاير مع صالان الذي كان الرعب نفسه ماشياً على قدمين.
كان قد مرّ زمن طويل لكنّ القصة كانت ما تزال تروى، وكلما كان يحلّ موسم قطاف الزيتون كان طاير يقول:
– في هذا الوقت كنّا حين قتلوه وجرّوه في شوارع عفرين..،
وتعود المصطبة أمام دار جدي مسرحاً للحكاية نفسها، يعمل صالان مهرّباً بين سوريا وتركيا، يحسده الخال الشرّير ويبلّغ الدولة عنه ويذلّ زوجته بضربها، ينتقم صالان ويقتل خاله مع أطفاله، ويفرّ إلى الجبال تاركاً «جقالاه» ليقطع الطرق وثمّ ليقتل من اعتدى على زوجته ويقتل ويقتل ليتحول إلى كابوس للشرطة التي ستَعِدُ من يلقي القبض عليه بمكافأة، ويظلّ في الجبال حتى يدبّر المختار محي الدين وليمة،ً مكيدة، حينئذٍ كان كَدِي يكرر جملته نفسها: الحجلُ خائن، لا عدو للحجل سوى الحجل نفسه، ولم تكن الجملة سوى تنهيدة ليكمل طاير بعدها: ربطوه بسيارة وشحطوه في عفرين كلّها ثم قتلوه بالرصاص.
كان صالان مقتولاً، جثةً على الأرض حين اقترب منه مدير المنطقة وأمسك بشواربه، شوارب الجثة، قبل أن يستدير نحو الجموع، خلفه:
– شايفين يا اكراد، زعيمكون شو صار فيه!
حين كان طاير يقول ذلك كان جدّي يحبس الدخان في فمه وهو يفتل العقب في الأرض، ثم ينفخ في السماء نحو لا شيء حيث لا تلبث أن تتشكل غيمةُ حقدٍ كبيرة تغطي كل الحدود ومعها رجال المصطبة يغوصون في الأسفل، في الصمت الكريه نفسه.

موتى يُديرون العالم

كانت ايرينا من أصل غير يوناني، ربما من بلغاريا أو مقدونيا أو ألبانيا، وكانت تحمل كل مواصفات القياس الستاندارد التي تتميز بها آنسات شارع فيليس: العظام المتينة، البطون الصغيرة أسفل الخصر الضيق أعلى الفخذ، العمر بين العشرين والخامسة والعشرين، والمرح المهني المنضبط، لكنها كانت، إضافة لذلك، تتفرد بالانضباط التام بالقاعدة الشهيرة، لا قبلة ولا شرج، وبالجرأة حتى درجة الصفاقة كأن تطلق ضرطة، مثلاً، تعقبها بضحكة حادة بينما الزبون يغمض عينيه منهمكاً في ارتعاشة لحظة القذف، ويبدو أن هذا المزاج كان يجعلها لسبب ما أكثر حظاً من غيرها.

منّان كان يمازحها بصفعة خفيفة على المؤخرة قبل أن يستدير نحوي وبالكردية موضحاً:
هذه الجحشة لا تُروّض.
لم تكن تنتظر في غرفتها كالأخريات حتى يجتمع الزبائن في الصالون فتدخل عليهم، بل كانت إما تطل من شباك البلكون وهي تدلي ثدييها على خشب الحافة مطلقة نحو الأسفل صيحات بهجة وإثارة، أو تنزل إلى الشارع بكعبها العالي لتجرّ أحداً ما أو مجموعة ً ما، غير مرتدية، طبعاً سوى ما ترتديه عادة حين تناديها المعلّمة من الممر لتعرض نفسها، أي أحد الكلسونات الخيطية، المتدرجة في الأحمر غالباً، من الزهري إلى الخمري، مع حواف سوداء.
الغرباء يرضون بأي شيء أما اليونانيون، تفو، كانت تقول، حيوانات، لا ويصرون أن ينيكوا دون كوندوم! وتظل تستهزأ منهم حتى تصل بغضبها إلى المنزلين الواقعين بأول فيليس والذين ما إن تدق الباب أو تدفعه حتى يخرج أحدهم ليعتذر منك إن رآك أجنبياً: إكسيوز مي، أونلي گريگ.
منان كان يجعلني أدور معه على كل المنازل الممتدة بين آخر شارع أخرنون وشرق وجنوب ساحة فيكتوريا وأنا أعرف مسبقاً أننا سنكتفي بالفرجة هنا وهناك لننتهي عند إيرينا منتظرين أن تدخل لتقول: سلامون عليكم فيما منان يصحح لها، شڤ باش، ويصر عليها حتى تستدرك تحيتها: شڤ باش.
قالت لي مرة بأنها تعمل هنا لأن لديها فكرة ما، مشروع ما، ولم تفصح لكن منان حين أخبرتُهُ بذلك علّق وهو يلوي فمه معمّقاً غمازته اليسرى:
حقها عشرين يورو، شرموطة متل غيرها.
شيئان كان يجعلاني أفكر أن إيرينا ستصبح يوماً ما إما مجنونة أو فيلسوفة، الأول، كلبتها البنية المتفحمة أسبازيا على اسم عشيقة بيركليس والتي كانت تقبع في أحد الأركان هادئة دون نباح تراقب صاحبتها تقوم بعملها ولا تتحرك إلا لتخرج وراءها، ثانيهما وهو ما كان يصيبني بقشعريرة رعب غامض حين كنت أدقق في جلد ظهرها القريب من وجهي ذي الزغب الأشقر والمسامات الدقيقة بينما تسحبُ محارم الكلينكس لتنظف نفسها، أقصد وبالضبط، التاتو الأخضر أسفل ظهرها حيث الحروف الإنكليزية الواضحة والتي كانت تلتمع في ضوء النيون كلما انحنت:
«هناك موتى يُديرون العالم، يستحيلُ قتلهم».

فيرو

عانى جدي من حصر البول لفترة طويلة وذات مرة حين اشتد عليه الألم، أمسك شعر رأسه بيده وأحنى رأسه للخلف ونادى:
يالله قربانك، طول العمر عم بصلّي لك بس خليني أشخ هالمرّة،
وطبعاً ظلّ يروح ويجيء إلى المرحاض دون فائدة، وما إن طلع الفجر حتى نزل إلى حلب،
وبينما كان ينتظر في عيادة أخصائي المسالك البولية، رأى جميل هورو هناك أيضاً، ينتظر جالساً على كرسي، فاسرع وجلس بجانبه ثم وضع يمناه على ركبة جميل اليسرى ليسأله، لا مستفسراً، بل معاتباً، السؤال الذي كان يلحّ عليه لفترة أطول:
جميل بحقّ الله، في “عيشا إيبه”، لماذا تقول: حين أموت طوفوا بنعشي حول قبرها وخذوني لتدفنوا رأسي تحت قدميها،
بربّكَ جميل، هل هذا يليق بالرجال!
كان جميل ساهياً في كل شيء، في لا شيء، لذا التفت فوراً إلى جدي وقال له:
خَلُو أو عَلُو، لست أدري تماماً، فقد اختلط علي الأمر، فلسبب غير درامي ظننتهما واحداً، لكن لا، فجدّاي، علي وخليل، أحدهما كان عاشقاً للكلام أي الأغاني والآخر كان يعاني من حصر البول، المهم، أوقفه جميل بمناداته باسمه واكتفى بأن سأل:
– حان وقت زراعة البصل، أليس كذلك؟
وقام ودخل.
كان جميل هورو حينئذٍ تجاوز الأربعين بقليل وقد تزوج مرتين وخلّف أربعة أبناء لكن رأسه كان معلقاً في غيمة حب ثقيلة، وعكس جدي، الذي كان يعاني من الحصر طبعاً، هذا أنا متأكد منه، كان جميل يعاني من سلس مفاجئ أصابه قبل أسبوع، ولم يكن مشغولاً بأي بُرغيّ محتمل أن يكون قد ارتخى ومن أين يأتي كل هذا البول وكم هو رائق وهل يشوبه مذيٌ أو مني،ٌ بل كان مشغولاً بالوقت، بالأسبوع الذي يمر وكأنه يوم واحد لا وصل ولا فصل، بالزمن، برائحة فيرو التي علقت بأنفه من مرةٍ واحدة في آخر الخميس حين ولج فتحة الجمعة، كانت البيرةُ في الصباح تتحالف مع العَرَقِ في الليل، لذلك كان يمشي في الممر القصير وهو يكرر في نفسه: دَمَه، دَه دَمه، أز آشقه جاني تمه، وكانت الأسماء تعبر وتختلط، عيش، حنيفة، زينب، فيدان، مريم، غزال، دلال، وأوصافهن المتنافرة غالباً تتحد في شخص موصوف بعينه، فيرو، دَه دَمَه، فيرو، دَه دَمَه، أحب جسدكِ يا فيرو، يهبّ الهواء من الأعلى فتهتزّ الأوراقُ من الأسفل، بين الشرق والغرب، يجري ماءُ الحياة من حلمتيكِ، أحدهما الكوثرُ فيرو، والآخر زمزم، ماذا أفعلُ فيرو، لا شيء، بلسانكِ الثرثار سأقول لكِ، أحبّ جسدكِ وسأتحملُ كل ذنوبه.